فخر الدين الرازي

156

تفسير الرازي

وقال تعالى : * ( نسوا الله فنسيهم ) * ( التوبة : 67 ) أي تركوا العمل لله فتركهم ، ويقول الرجل لصاحبه : لا تنسني من عطيتك ، أي لا تتركني ، فالمراد بهذا النسيان أن يترك الفعل لتأويل فاسد ، والمراد بالخطأ ، أن يفعل الفعل لتأويل فاسد . المسألة الثالثة : علم أن النسيان والخطأ المذكورين في هذه الآية إما أن يكونا مفسرين بتفسير ينبغي فيه القصد إلى فعل ما لا ينبغي ، أو يكون أحدهما كذلك دون الآخر ، فأما الاحتمال الأول فإنه يدل على حصول العفو لأصحاب الكبائر ، لأن العمد إلى المعصية لما كان حاصلاً في النسيان وفي الخطأ ثم إنه تعالى أمر المسلمين أن يدعوه بقولهم * ( لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ) * فكان ذلك أمراً من الله تعالى لهم بأن يطلبوا من الله أن لا يعذبهم على المعاصي ، ولما أمرهم بطلب ذلك ، دلّ على أنه يعطيهم هذا المطلوب ، وذلك يدل على حصول العفو لأصحاب الكبائر ، وأما القسم الثاني والثالث فباطلان لأن المؤاخذة على ذلك قبيحة عند الخصم ، وما يقبح فعله من الله يمتنع أن يطلب بالدعاء . فإن قيل : الناسي قد يؤاخذ في ترك التحفظ قصداً وعمداً على ما قررتم في المسألة المتقدمة . قلنا : فهو في الحقيقة مؤاخذ بترك التحفظ قصداً وعمداً ، فالمؤاخذة إنما حصلت على ما تركه عمداً ، وظاهر ما ذكرنا دلالة هذه الآية على رجاء العفو لأهل الكبائر . قوله تعالى : * ( ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا ) * . إعلم أن هذا هو النوع الثاني من الدعاء وفيه مسائل : المسألة الأولى : الإصر في اللغة : الثقل والشدة ، قال النابغة : يا مانع الضيم أن يغشى سراتهم والحامل الإصر عنهم بعد ما عرفوا ثم سمي العهد إصراً لأنه ثقيل ، قال الله تعالى : * ( وأخذتم على ذلكم إصري ) * ( آل عمران : 81 ) أي عهدي وميثاقي والإصر العطف ، يقال : ما يأصرني عليه آصرة ، أي رحم وقرابة ، وإنما سمي العطف إصراً لأن عطفك عليه يثقل على قلبك كل ما يصل إليه من المكاره . المسألة الثانية : ذكر أهل التفسير فيه وجهين الأول : لا تشدد علينا في التكاليف كما شددت على من قبلنا من اليهود ، قال المفسرون : إن الله تعالى فرض عليهم خمسين صلاة ، وأمرهم بأداء ربع أموالهم في الزكاة ، ومن أصاب ثوبه نجاسة أمر بقطعها ، وكانوا إذا نسوا شيئاً عجلت لهم العقوبة في الدنيا ، وكانوا إذا أتوا بخطيئة حرم عليهم من الطعام بعض ما كان حلالاً لهم ، قال الله تعالى : * ( فبظلم